الرحلة إلى مهرجان نبض العلا ٢٠٢٥ لم تكن مجرّد رحلة عادية، بل تجربة غيّرت الاحساس بالمكان والزمان.
منذ لحظة إقلاع الطائرة تشعر بأنك متجها نحو مدينة تحمل سرّاً قديماً، وعندما تحط أقدامك خارج المطار، يتسلّل إليك شعور عميق بعراقة هذه الأرض. كانت الطاقة التي أحسسناها تشبه تمامًا تلك التي شعرنا بها في زيارتنا الأولى إلى روما، مزيج من التاريخ والرهبة والجمال.
في استقبال، كان السائق يستقبلنا بابتسامة ودّ وترحيب أصيل. لن تصدق أنك أخيرًا سترى المدينة التي يتجاوز عمرها مئتي ألف عام، و تلمس جبالها و تتنفس هواءها النقي، و تسير بين مزارعها التي تنبض بالحياة كما لو كانت كائنًا يتنفس الجمال.
منتجع كلاود 7: الإقامة بين الجبال والسّماء

كانت الرحلة إلى “منتجع كلاود 7” الممتد على بعد ٢٥ دقيقة من المطار أشبه بمقدمة فيلم مُلهم؛ و كأن مهرجان نبض العلا فاتح ذراعيه لينعشنا باستقبالٍ مدهش، الطريقُ مليء بالمناظر الطبيعية التي تربط الإنسان بجذوره وأرضه. المنتجع منظم بطريقة أنيقة يضم مطعمين، أحدهما يطل مباشرة على المسبح ومن ورائه الجبال الشاهقة التي تبدو وكأنها لوحة رسمها الخالق بإتقان.
المكان كله يُشع بطاقةٍ نقية، والهواء يملأ صدرك بصفاء يجعلك تشعر أن أعضاءك تتجدد مع كل شهيق. غرف المنتجع زجاجية تطل على المنظر بالكامل، ومع التراس الصغير يمكنك رؤية العلا في سكونها الفاتن.
في أول وجبة غداء هناك، قدّم لنا المطعم Off-road أفضل قطعة ستيك تذوقناها منذ خمس سنوات. كانت مُتقنةً لدرجة أننا شعرنا بالامتنان في كل لقمة، وكأن العلا نفسها تُكرم زوارها بنكهة لا تُنسى.
واحة ديمومة: عشاء تحت ضَوء النجوم

مع غروب الشمس، انتقلنا إلى واحة ديمومة، حيث العشاء وسط واحة تحيط بها مزرعة في قمة الجمال. المطعم راقٍ إلى حدّ يليق بالعلا، يقدم أطباقًا تمزج بين النكهات المحلية والعالمية، وخدمتهم تُضاهي أفخم مطاعم العالم.
لكن ما أسر قلوبنا حقًا كانت كيكة البراوني بالتمر، وصفة فريدة أعدّها الشيف باستخدام تمر المجدول الطازج من مزارع العلا، الذي ارتفعت جودته هذا العام بشكل لافت.
لا يمكن أيضًا أن تفوّت تجربة بيت الشجرة القابع في قلب الواحة، أو متجر الآيس كريم المحلي دبسي في ديمومة Dibsy in Daimumah بنكهات مذهلة كالكركديه والتمر.
حين تستيقظ الصحراء : مهرجان نبض العلا ٢٠٢٥

في صباح اليوم التالي، كانت المغامرة الكبرى: سباق دواثلون العلا، الذي أُقيم للمرة الأولى ضمن فعاليات المهرجان.
هذا العام، أضافت الهيئة الملكية بُعدًا رياضيًا رائعًا إلى المهرجان، شمل نصف ماراثون العلا في ٢٥ أكتوبر ٢٠٢٥ بمسافات متنوعة (٢١.١ كم، ١٠ كم، ٥ كم، و٣ كم)، إلى جانب سباق درب العلا بنسخته الثالثة لمسافات تصل حتى ١٠٠ كم.
ما شدّ الانتباه لم يكن فقط التنظيم الدقيق بل تنوع المشاركين؛ من أطفال بعمر سبع سنوات إلى متسابقين تجاوزوا السبعين. مشهد الشروق بين الجبال، وتشجيع الجمهور، وانسجام الرياضيين مع الطبيعة، كان مزيجًا من الروح والعزيمة.
وكان من الرائع أن نلتقي و نتحاور مع زينب يوسف، مسؤولة التسويق والتواصل في “ريس آرابيا“، التي شرحت لنا أهمية و حرص ريس ارابيا على ابتكار وتقديم تجارب رياضية استثنائية تجمع بين الاحترافية والمتعة و أكدت أن هذه هي أول سنة يُدرج فيها نصف ماراثون ضمن المهرجان.
التّأمل بين الجبال وتجارب لا تُنسى

زرنا فايف سنسِس سانكتشوري بين الجبال، حيث عشنا جلسة تأمل عميقة على أنغام موسيقى راقية امتدت أصداؤها في الوادي كله. ومن هناك توجّهنا إلى “مطل الحرة” ، حيث الفعالية الرياضية مع “ليز ميل” على سفح الجبل وقت الغروب، لحظة غمرتنا بطاقة لا توصف.
أما المساء، فكان عنوانه الأناقة في مطعم “أنابيلز” العالمي، بتجربة عشاء في الهواء الطلق تحت سماء العلا المرصّعة بالنجوم.
الحجر وجبل الفيل والمنطاد: ذروة الرحلة

كانت الشمس تتسَلل بخجل بين قمم الجبال حين بدأت الرحلة نحو “منتجع شيدي” الحجر، القائم في موقع محطة سكة حديد الحجاز التاريخية التي أُنشئت عام ١٩٠٧.
ذلك المكان الذي كان يومًا معبرًا للحجاج والمسافرين من دمشق إلى المدينة المنوّرة، أصبح اليوم معلمًا فاخرًا يجمع بين عبق التاريخ وفن الضيافة الحديثة.
نجحت الهيئة الملكية في العلا في الحفاظ على روح المحطة الأصلية، الأرصفة، السكك الحديدية، والبوابات القديمة، ودمجها في تصميم المنتجع الأنيق الذي يشع سكونًا وهيبة.
في مطعم “بريما كلاس” داخل المنتجع، عشنا تجربة تذوّق تُشبه رحلة حول العالم.
الأطباق مزيج بين مطابخ باريس والبندقية والقاهرة وطنجة، تُقدَّم بذوقٍ راقٍ يليق بالمكان.
الخدمة رفيعة، والاهتمام بالتفاصيل يجعل الزائر يشعر كأنه جزء من حكاية تُروى بين الجبال.
بعدها توجّهنا إلى موقع الحِجر “مدائن صالح”، أول موقع سعودي مُدرج في قائمة التراث العالمي لليونسكو، وهناك غمرني شعورٌ بالدهشة أمام النقوش والبوابات الضخمة المنحوتة منذ آلاف السنين، التي تحكي تاريخ الأنباط وعظمة فنّهم في نحت الجبال.
ومن الحِجر إلى جبل الفيل، كانت النقلة من التاريخ إلى الطبيعة الساحرة.
في ذلك المساء المضيء بنجوم العلا، أقيمت فعالية رياضية بتنظيم “ليز ميل” جمعت بين الحركة والطاقة والموسيقى الهادئة في مشهد لا يُنسى.
واختُتم اليوم بعشاءٍ دافئ في مطعم “سولت” للبرغر، وسط أجواء ودّية وبساطة أنيقة جعلت الختام مثاليًا ليومٍ استثنائي من أيام مهرجان نبض العلا.
المنطاد: حين تُلامس السماء

ولأن العلا لا تكتمل دون سحر سمائها، كانت تجربة المنطاد مع فريق “HERO” من أكثر اللحظات استثنائيةً في مهرجان نبض العلا . بدأنا قبل شروق الشمس بالقهوة العربية والتمر السكّري المحلي، ثم انطلقنا في رحلة ارتفعنا خلالها إلى أكثر من ١٢٠٠ قدم فوق المدينة.
من هناك رأيت العلا كلها، جبالها، بساتينها، وسكونها العميق، كأنها متحف مفتوح يروي تاريخًا يمتد إلى ٢٠٠ ألف عام.
و للاطلاع على تفاصيل مهرجان نبض العلا يمكنك قرادة المقالة هنا.